|
تدور في الميدان التربوي
"الجولاني" تساؤلات تتعلّق بالمعلّم تتباين الإجابة عنها ما بين مؤيِّد
ومعارض، وما بين مناصر ومهاجم، فهل المعلم حسب نظر البعض ظالم أم مظلوم؟
وهل المعلم مفتر أم مفترى عليه؟ وهل المعلم مخطئ أم هناك من أخطأ عليه؟ وهل
المعلم مدع أم مدعى عليه؟ وهل المعلم يلوم أم يلام؟ وهل المعلم هو السبب في
ضياع هيبته أم المتسبّب في ذلك غيره!!!
كل هذه التساؤلات اليوم
تذكّرنا في جدلية عقيمة قديمة أزلية وهي هل البيضة أولاً أم الدجاجة؟
بغض النظر عن هذا وذاك يظل
المعلم حجر الزاوية في العملية التربوية والتعليمية ويظل المعلم ربان
السفينة التعليمية وقائدها وموجهها وأي قصور منه يطول العملية التربوية
برمتها.
تزيد قناعاتي يوماً بعد يوم
بأن المعلم ظالم ومظلوم ومفتر ومفترى عليه ومدع ومدعى عليه.
أكاد أجزم أن عدداً غير
قليل من المعلمين مظلومون ومفترى عليهم ومدعى عليهم ولكن في المقابل هناك
الكثير من المعلمين ليسوا كذلك، بل هم كما يُقال (مع الخيل يا شقراء)
يرددون ما يُقال عن المعلم ويتوهمون ما يتداول ويصدّقون ما ذكر وفي الحقيقة
أنهم معزّزون مكرّمون ينعمون بعيش رغيد ويتمتعون بمميزات جيدة وعملهم مريح
وبيئتهم التعليمية مشجعة ولكن عطاءهم ضعيف.
حين يبدأ الحديث في مجتمع
ما عن التعليم وما يعانيه من قصور وما هو متوقع منه وكيف انه خيب الآمال,
ويبدأ المقارنة بالماضي وكيف كان الطالب يحترم المعلم و يقدره ولا يستطيع
أن يتنفس في حضرته أو يسير في الطريق الذي يسلكه, وكيف كان المعلم في ذلك
الزمان صارماً وحازماً وليناً في نفس الوقت,, أضف إلى ذلك أن الأهل كانوا
دوما يرون انه على صواب مهما فعل, وتذكرني هنا المقولة المشهورة التي اعتاد
إباؤنا سردها علينا عند أول يوم نذهب فيه إلى المدرسة والتي تقال للمعلمين
(لكم اللحم ولنا العظم) وهي بالطبع من صيغ المبالغة .
فأين نحن اليوم من تلك
الأيام وأين طلابنا وطالباتنا من طلبة ذلك الزمان, وأين معلمينا من أولئك
العظام.
لقد أصبح أغلبية الطلاب في
هذه الأيام غير مبالين بالعلم من اجل العلم وهمهم الأكبر هو النجاح فقط و
الحصول على الشهادات دون الاهتمام لما حصله من علم نافع لذا لا يجد حين
يحتاج إلى التطبيق الميداني والسلوكي أي مبادئ يستند عليها أو قيم يسير على
خطها وبالتالي لا يعرف إلى أين يسير أو ماذا يريد وهذا حال معظم أبناءنا من
الجيل الحالي حيث أصبح الأهل لا يعطون للمعلم قيمته ومكانته التي يجب أن
يكون عليها ففقد هيبته من قبل طلبته لان تقديره كان لابد أن يزرع في النفوس
منذ الصغر, وبالتالي حين وجد المعلم أن الطالب لا يقدره ولا يهتم لما يقدمه
له نسى انه صاحب رسالة وأي رسالة, و لكن في خضم الضغوط العديدة ابتداءً من
الشعور بالإحباط لعدم احترام الطلاب له ومن ثم كثرة الأعباء المسندة
للمعلمين والمهام المناطة لهم وزيادة عدد الحصص وضغط المناهج وعدم
الاستقرار النفسي وعدم الشعور بالأمان الوظيفي وكثافة الطلاب في الفصول
الدراسية و...., من خلال كل هذه الهموم أصبح المعلم يقوم باداء عمله كوظيفة
يتقاضى عليها راتبا وليس كصاحب رسالة له هدف وعليه أن ينتج امة ..
يا أيها الآباء والأمهات..
لقد أفسدتم أبناءكم !!
وأنا أطالع إحدى الصحف
المحلية لفت نظري مقال يحمل عنوان: يا أيها الآباء والأمهات.. لقد أفسدتم
أبناءكم !!
توقفت أمام العنوان وأنا
أخمن ما الذي قد نكون فعلناه كآباء وأمهات حتى نفسد أبناءنا ونحن كوالدين
ليس لنا هم في هذه الحياة سوى الوصول بهم إلى قمم الشهب, فكيف نكون سبب في
إفسادهم, ومن خلال قراءة الموضوع وجدت أن الكاتب كان يتحدث عن لقاءه مع
شخصية اجتماعية عريقة والذي تضمن العديد من التوجيهات التربوية حيث كان
طرحها في غاية الاحترافية على حد تعبير الكاتب.
وقد أثار الكاتب مسألة
التربية وأساليبها وهذا ليس بالغريب عليه حيث انه من الذين خاضوا غمار
التربية في يوم من الأيام وقد تذوق من كأسها الحلو والمر, وأوضح أن مظلة
الحماية الزائدة التي يصنعها الوالدين على الأبناء في الوقت الحاضر هي احد
الأسباب التي أدت إلى الوصول بالأجيال الحالية إلى ما هي عليه من تباعد في
النفوس والرغبة في إثبات الذات ولو على حساب الآخرين, وجدت نفسي وقد أعادني
الكاتب من خلال هذا الموضوع للرجوع إلى الزمن الذي كان فيه جميع أعضاء
المجتمع يشتركون في التربية ابتدأ من الأب والأم في البيت والجار في الشارع
والإمام في المسجد والمعلم في الفصل والأهل في كافة الأماكن فأين نحن الآن
من ذاك الزمان والذي يوجه فيه الابن من الجميع فيكسب من الخبرات الناتجة عن
التوجيهات الكثير مما يبني به ذاته ويعزز لديه القيم, وحتى في أمور الألعاب
والتسلية كانت الرحلات العائلية والألعاب الجماعية هي السائدة في المجتمع
آنذاك, لذا كان هناك تقارب في الأرواح بين الجميع, والإيثار في العطاء,
والإحساس بالآخرين, أما الآن فمعظم أبناءنا يلعبون بالألعاب الالكترونية
ويجلسون أمام شاشات الحواسيب أو التلفاز أكثر مما يقضون معنا كأهل, فكيف
نتوقع أن تكون مشاعرهم وأحاسيسهم وهم يتعاملون طوال الوقت مع أجهزة جامدة
لا تولد لديهم سوى الانفعالات السريعة والرغبات المفعمة بالفوز مهما كانت
النتائج.
من هنا أصبحت المشاعر
والعواطف لا تحظى بالاهتمام من قبلهم, مما ولد في نفوسهم الجمود, وبالتالي
أصبحت العلاقات بين الجميع تتسم بصفات المصالح والاحتياجات والرغبة في
الوصول إليها وتحقيقها بشتى الوسائل والطرق المشروعة وخلافها, ناهيك عن
مسلسلات العنف التي تطالعنا كل يوم وآخر مما يجعلهم يعتادون على مثل هذه
التصرفات فلا تحرك فيهم ساكناً, جراء ما هم فيه تكاد نفوسنا تتمزق من الألم
وهي تشاهد الدائرة تتسع في مجتمعنا الذي يدعو في كل تعاليمه إلى الرحمة و
السماحة, والدعوة إلى الألفة والتآخي.
هنا نجد انه فعلا ينبغي
علينا كآباء وأمهات أن نتوقف لنسأل أنفسنا هل مظلة الحماية التي فرضناها
على أبناءنا لها فائدة عليهم أم أنها تجنى على ذاتهم ومستقبلهم ونكون بذلك
قد خضعنا للمثل القائل (ومن الحب ما قتل أو بصورة أخرى ومن الحب ما ضيع
الأبناء).
وأخيراً:
إن المعلم يعيش وسط الظلام
ليحوله إلى نور، وهو خلال ذلك رائد مكتشف رحاله.. يضع أقدامه على أرض لم
يطأها إنسان، ويرتاد الآفاق الفكرية التي لم يصلها بشر.. يجب أن يكون عنده
دائما أكثر مما يقول، وأعظم مما يحيط به، إنه ليس منجمَ ذهب، أو ماس، بل
أروع، فالمنجم يعطي ولكنه ينضب، أما المعلم فهو أشبه بطبقات الأرض، كلما
وصلت لطبقة وغصت وجدت طبقات أكثر ثراء وغنى .. |