|
كتبت
القاعدة النظرية الأساسية لنظرية الشعور الجمالي والحب بين عامي 1976-1977
وكنت يومها مراهقاً يستعمل الفكر لتحليل "ما يجده" بالتعبير العربي القديم،
وما كان يجده في ذلك الوقت كان ببساطة و "بدائية" هذه المصيبة التي اسمها
التمييز بين الناس على أساس الشكل الخارجي ومشكلة الحب المبنية على أساس
الإعجاب بالشكل.
و"المصادر" التي كانت تحت يدي للتفسير كانت نظرية نشوء المجتمع الطبقي
الماركسية بأوسع معانيها أي نظرية البدء بمجتمع لا طبقي ينتقل إلى الطبقات
ليعود في اليوم الموعود إلى مجتمع لا طبقي.
ومن هنا
كان السؤال الذي أكدت عليه مثيرا استهجان أصدقائي الماركسيين قبل غيرهم عن
ظاهرة الشعور الجمالي بهذا المعنى الخاص (أي التمييز بين البشر على أساس
"جميل" و "قبيح") متى نشأت في هذه الحقبات الثلاث الكبرى (مجتمع اللاطبقات
البدائي-
المجتمع الطبقي-
المجتمع اللاطبقي)؟ وما أثار استهجان الأصدقاء كان النظرية التالية: إن
"الشعور الجمالي" هو نتاج المرحلة الثانية أي الطبقية، ومصيره إلى الاختفاء
في المرحلة اللاطبقية المرجوة! ولم يكن في ذلك إلا الخير للبشرية في
اعتقادي أن ذام لرؤيتي لمساوئ التمييز بين البشر على أساس شكلي (ولم أكن من
حيث الشكل الخارجي قبيحا كما أبلغت ولم أكن "أتطوع" لنصرة "القبيحين"
إذ كنت أحس لسبب ما أني معني شخصياً بالموضوع كجزء من كوني معنياً بظاهرة
الانقسام الطبقي التي لم أكن أحس بها بصورة خارجية بل لصورة داخلية(.
وكان
الحدس الموصل للفرضية الأساسية التي أعدها من ناحية شخصية "الاكتشاف" الأهم
هو التالي: لمعرفة طبيعة "الشعور الجمالي" تجب معرفة طبيعة "الجمال" (لم
أكن في ذلك الوقت أعلم أن هذه التعابير يطلقونها على شيء يزيد عن الاستعمال
البسيط لكلمة "جمال" فبتأثير الترجمات اتضح لي لاحقا أنهم يحملونها على
جمال الفن والأدب وهو حمل أعترف أنني إلى الآن لم أفهم صلة الوصل فيه بين
"جمال" عمل شعري مثلا وجمال امرأة، ولا بأس علي بهذا الاعتراف لأنني بكل
صراحة لم أكن "للمثقفين" منذ صغري أي قدر مهما قل من الاحترام والاعتبار!(.
لمعرفة
طبيعة الجمال أخذت الصفات الجمالية المعترف بها في مجتمعنا الملموس مثل
بياض البشرة، لون العيون وحجمها إلى آخره وجربت أن أثبت أن الجاذبية التي
تتمتع بها وتجعل الناس يرونها "جميلة" ناتجة عن كونها السمات المميزة
للطبقة الأعلى. هذه الطبقة هي التي اختفت فيها مظاهر الإرهاق والمعاناة
المادية وسوء التغذية وبدت عليها "علامات" الترف. "الجمال" إذن هو سمات
الترف المفقود عند الطبقة الدنيا. ومن الأمثلة التي لم أجد صعوبة في
استحضارها كان واقعة العيون الزرق المستحسنة في مجتمعنا الحاضرـ ولم أجد
صعوبة أيضا مستعينا بسعة اطلاعي على الأدب العربي في إثبات أن الشعور بأن
العيون الزرق جميلة لم يكن موجودا منذ الأزل بل هو بدأ في مرحلة صارت فيها
الطبقة الأعلى من زرق العيون. ومما تندر به بعض المعارف آنذاك ولعلهم لا
يزالون يذكرون هذا قولي إن ما نراه في مجتمعنا في غاية القبح وهو الجلد
الأسود كان سيصبح نموذج الجمال لو أن السود هم الطبقة العليا!.
وفي وقت
مبكر أيضا يعود ربما لسنة 1975 أثناء تأملاتي النفسية تكلمت لأول مرة عن
شيء سميته "الاستلاب" وعرفته أنه إيمان الفرد بالفكرة السلبية عن نفسه التي
تجعله مثلاً قبيحاً عاجزاً بطبيعته عن فعل شيء مفيد غبياً إلى آحره. وكان
استعمالي لكلمة "الاستلاب" التي مرت بي في قراءات فلسفية ماركسية جديدة على
ما أظن هو نتاج غريزة لغوية ولم أكن بحال من الأحوال أحذو حذو أحد في هذا
الاستعمال، وقد رأيت في سنوات لاحقة أن كلمة "الاستلاب" تستعمل عادة بمعنى
بسيط لا يتجاوز معنى "الاضطهاد" (فيتكلمون مثلا عن "استلاب اقتصادي" أو حتى
"استلاب سياسي") وأردت أنا أن أستعملها بمعنى آلية نفسية خاصة.
وفي عام
1977 أدخلت مفهوم الاستلاب لأول مرة في مجال توسع "نظرية الشعور الجمالي
والحب" لوضع "نظرية عامة في العاطفة" تنبني على أساس أن العاطفة هي ناتجة
عن ثغرة في جدار الاستلاب وقد قسمت الاستلاب لأول مرة آنذاك ذلك التقسيم
الذي ظهر لاحقا في الكتاب الوحيد عن الموضوع الذي ظهر باسم "حول الحب
والاستلاب". وفقاً للتقسيم المذكور قسمت الاستلاب إلى أربعة أنواع هي
"الاستلاب الطبقي" ولم أعن به اضطهاد الطبقة الكادحة كما قد يتبادر لذهن من
لا يعرف الموضوع! بل عنيت به استبطان الطبقة الفقيرة لقناعة تقول إن شظف
العيش (نقيض الترف) الذي هي فيه أمر لا يمكن تغييره. والاستلاب الأيديولوجي
وغيرت اسمه لاحقاً بالاستلاب الأخلاقي، ولم أعن به المعنى العام الذي قد
يتبادر إلى الذهن بل عنيت به كما جميع أماكن تفكيري حالة نفسية فردية
يستبطن فيها الفرد فكرة أنه مذنب، وقد استنتجته من تحليل عاطفة "الحزن"
التي رأيت أنها تظهر عند إحساس الفرد أنه مظلوم، ثم "الاستلاب التغلبي"
وأظنني استنتجته من تحليلي لعاطفة الفرح التي رأيت أنها تأتي عند تحقيق
إنجاز مفاجئ كان الفرد يظن نفسه عاجزاً عن تحقيقه وعلى هذا يكون "الاستلاب
التغلبي" هو استبطان فكرة العجز عن فعل شيء في الصراع مع الآخرين وفكرة
صفرية القوة الذاتية، والنوع الرابع كان "الاستلاب العنصري" ونتج عن رؤيتي
لظاهرة مختلفة عن ظاهرة الانقسام الطبقي ضمن مجتمعنا وهي ظاهرة الانقسام
على أساس "الأصل" أي وجود ناس من "أصل رفيع" وآخرين "بلا أصل".
وفي
"النظرية العامة للعاطفة" قلت إن العاطفة هي تدفق لدافع عاطفي كان محبوساً
عند حدوث "ثغرة" في جدار الاستلاب، وهذا تعميم لما قلته قبل ذلك عن الحب
أنه ينتج عند الشعور بإمكانية الانتقال إلى عالم الترف المفقود عبر الاتحاد
بممثله الجميل الذي هو الحبيبة مثلاً التي تمثل طبقة كاملة لا شعوريا لأنها
تحوز (كونها جميلة) على سماتها المشتركة، وقد سررت لتعرفي إلى نظرية بافلوف
آنذاك واعتبرت السمات الجمالية بمثابة مؤثرات شرطية هي التي تفسر الشعور
المرافق لها فكما أن الجرس عند كلب بافلوف اقترن بتقديم الطعام فكذلك
اقترنت سمات الطبقة الأعلى بالترف الموجود عندها.
وما جرى
في السنة اللاحقة 1979 كان إضافة بعد فرويدي لهذا الأساس الطبقي فقد دمجت
بين تجربتين: تجربة قاعدية هي التي كنت أتكلم عنها لحد الآن وهي تجربة
الفقير مع شظف العيش مع تجربة الطفل الذي فطم وفقد "الحالة الأمومية" التي
كانت ميزتها الإشباع المطلق (وما يرافقه من أمان مطلق إلى آخره). وعلى هذا
الأساس المطور يكون الحب تجربة تتضمن بعدين لاشعوريين متكاملين: البعد
الطبقي للفقير التائق إلى الترف ممثلا بممثله المحبوب والطفل التائق للعودة
إلى الحالة الأمومية التي يمثلها المحبوب أيضا.
وهذه
النظرات قادتني لاحقا للحوار مع من قرأت لهم في مواضيع مماثلة وسيجد القارئ
أمثلة على ذلك في النسخة التي كتبت في نيسان –أيار عام 1986 حيث ناقشت
نظريات لابن حزم في طوق الحمامة (عن طريق بوعلي ياسين الذي ذكرها) ولبوعلي
ياسين الذي جانب الصواب فيما رأيت في كتابته عن ألف ليلة وليلة (في بعد
المعايير الجمالية) ولنيتشه في كتابه عن أصل الأخلاق وفصلها وسررت بالمكان
الذي يقول فيه ابن خلدون "إن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب"، وفي وقت
لاحق جدا وفي برلين اكتشفنا أقوال عزيزنا فانون وتحليلاته عن "الجلد الأسود
والأقنعة البيضاء" علماً أني كنت في صيدا عام 1989 قد كتبت دراسة من منظور
هذه النظرية نفسها لرواية "البيضاء" ليوسف إدريس (وكتب أخي حسين الجزء
الثاني من الدراسة عن مفهوم الانتماء).
وحين
تصفحت لاحقاً كتاب شاخت عن "الاغتراب" وجدت أنه يؤكد اتجاها أصليا عندي
يقول بأن من حق كل كاتب أن يستعمل الاصطلاح الذي يشاء على شرط أن يستعمله
بشكل منسجم ويستطيع القارئ السير معه بناء على التعريف الذي وضعه هو أولا
بحرية للمصطلح. من هنا لم يكن عندي قط أي اهتمام بالمقارنة بين معاني مصطلح
"الاستلاب" (أو "الاغتراب" وهما ترجمتان لأصل أجنبي واحد) عند الكتاب
المختلفين. |