|
لا لقتل النساء, لا للقتل والعنف في مجتمعنا
*
محمد زيدان
*
لقد اكدت المواثيق والاعلانات الدولية لحقوق الإنسان على ان " حقوق المرأة
والطفل الانثى(الطفلة) هي جزء ثابت متكامل لا يتجزأ من حقوق الإنسان
العالمية غير القابلة للتصرف "، بالإضافة لتأكيدها على أن العنف ضد المرأة
ينتهك ويعيق أو يبطل تمتع المرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وأن
كافة أشكال العنف القائم على أساس "نوع الجنس" تعتبر أمورا تتنافى مع كرامة
الإنسان وقدره. كما أكدت هذه المواثيق على مبادئ أساسية متعلقة بعالمية
حقوق الإنسان وشموليتها ومبدأ ترابط هذه الحقوق وعدم جواز تجزئتها أو
الانتقائية في تنفيذها, وذلك مقابل كافة المحاولات الجارية للانتقاص من هذه
الحقوق على قاعدة الخصوصيات بمختلف أنواعها ومحاولة الرجوع إلى الموروث
الثقافي والاجتماعي كمبرر للنكوص بهذه الحقوق أو التراجع عنها وتبرير
مخالفتها.
العنف ضد المرأة هو أحد أسوأ أشكال انتهاك الحقوق الاساسية للمرأة لما
يتضمنه من مسٍ بالكرامة البشرية التي هي اقدس مميزات بني البشر, والعنف ضد
المرأة يعني " أي عمل من أعمال العنف القائم على نوع الجنس ترتب عليه, أو
من المحتمل أن يترتب عليه, أذى بدني أو جنسي أو نفسي أو معاناة للمرأة ...
سواء حدث ذلك في الحياه العامة أو الخاصة ". يشمل العنف لذلك أعمال العنف
البدني والجنسي والنفسي التي تحدث في الأسرة مثل الضرب, ختان الإناث , ضرب
الزوجات وغيرها ... بالإضافة لتلك الاعتداءات التي تحدث داخل المجتمع بوجه
عام وتصل حد قتل النساء بمسمياته المختلفه. والعنف المسلط على المرأة ليس
شأنا فرديا ولا يخص النساء فقط, ولذلك يجب نقل التعامل معه عن كاهل النساء
إلى الحيز العام، من خلال نقاش الظاهرة علناً كقضية مجتمعية اساسية في
البحث عن سعادة الفرد وحقه بالامن والامان. ودون ان نغفل الدور الاساسي
للمجتمع نؤكد على مسؤلية الدولة بحماية كل مواطنيها من الجرائم وبضمنها
جرائم العنف بمختلف أشكالها, بغض النظر عن هوية مرتكبيها، وحين لا تتخذ
الإجراءات اللازمة لتوفير الحماية اللازمة لمنع وقوع الجريمة او العمل على
منعها (من خلال الوقاية والتوعية قبل حدوث الجريمة، مع العقاب والردع في
حال حصولها) فإنها بذلك تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية, بل وأنها من خلال
امتناعها هذا تساهم في تشجيع الجريمة وتوفير الاجواء الملائمة لانتشارها –
وفي حالتنا فاننا لا نتوقع من حكومة اسرائيل شيئا غير ذلك.
قتل النساء مسؤلية المجتمع : تنبت غالبية اعمال العنف ضد النساء بمختلف
اشكالها (وبضمنها القتل) بالاساس على التربة الخصبة للأنماط الاجتماعية
والثقافية - لسلوك الرجل والمرأة - التي ينتجها المجتمع على شكل "العادات
والتقاليد العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على الإعتقاد بكون أي من
الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة"، ويتخذ
مدى تلائم الأعراف والثقافات المحلية لمبادئ حقوق الإنسان والقيم الإنسانية
العالمية اهمية قصوى لما في ذلك من تأثير على تحديد الأدوار للرجل والمرأة،
وطبيعة العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع وامكانية الوصول والمشاركة في
التحكم بالموارد, وبالتالي بمدى تمتع الرجل والمرأة بحقوقهم الانسانية
وحرياتهم الاساسية على قاعدة العدل والمساواة.
فالعنف ضد المرأة هو مظهر من مظاهر علاقات القوى غير المتكافئة بين الرجل
والمرأة بالاضافة الى ارتكازه على مفاهيم وتقاليد وقيم تديم تدني مكانة
المرأة في الاسرة ومكان العمل والمجتمع المحلي والمجتمع ككل. وبالاضافة
لامكانية ربطها بشكل وثيق بازياد مظاهر العنف الاخرى في المجتمع في السنوات
الاخيرة، الا انه تبقى لها خصوصيات من حيث منبعها وطرق علاجها التي لا يمكن
ان تتحقق دون مشاركة مجتمعية واضحة وراسخة تستند على نقد المواريث الثقافية
التي تجيزها, وتدعو الى مكاشفة للفرد مع ذاته، وللعائلة مع افرادها
وللمجتمع باسره مع خياراته واعتقاداته, وللقيادات مع قواعدها. هذه المكاشفة
هي حجر الزاوية في وضع اي تصور للتغيير، وهي مرحلة لا بد من ان تشارك بها
كافة مؤسسات المجتمع بمختلف اطيافها السياسية والاجتماعية والثقافية ليكون
تأثيرها اكبر وموقفها اصلب.
ويتطلب التخلص من هذه الآفة الاجتماعية تغييرا مجتمعيا اساسيا يستند الى
مبادئ وقيم انسانية حضارية يواجه دعاوى دونية المرأة والتمييز ضدها وحتى
وضعها في صورة نمطية وقوالب تجيز الاعتداء ع 1ليها وتبرر قتلها تحت مسميات
بائدة. ولان التغيير الاجتماعي احد المهام التي يستحيل تطبيقها بفترة زمنية
قصيرة, بالاضافة "للاشكاليات" التي تعيق تنفيذ هذا التغيير والناجمة عن
تجذر "الخصوصيات والعادات والتقاليد", فانه لابد من الخروج عن طرح هذه
القضية ضمن دوائر الحركات النسوية والنسائية الى الحركات السياسية والاحزاب
والمؤسسات الثقافية والدينية والاجتماعية وادماجها في النضال الجماعي من
اجل مجتمع افضل (علما ان الكثير من هذه المؤسسات تستريح لبقاء هذه القضية
خارج اطرها وتفضل ابعادها عن اجندتها) كي تصبح قضية التخلص من ظاهرة قتل
النساء والعنف ضدها قضية مجتمعية بامتياز، يشارك المجتمع بكافة اطيافة
بصياغة خطة وبرنامج العمل لمعالجتها وبلورة ثقافة بديلة اساسها انسانية
النساء والرجال وتقوم على اسس الإنصاف والحرية.
وفي هذا السياق فاننا ندعو
لمفهوم حقيقي للشرف .. كقيمة اجتماعية تتجاوز كثيرا الجنس والعفة المصطنعة,
الى مفاهيم الصدق والامانة والعمل المنتج ، والمشاركة في ادارة شؤون
المجتمع والمساهمة الفاعلة في مسيرة الرقي والتنمية والبناء, هذا هو
المفهوم الذي تدعو اليه ثقافتنا التي نريدها , ثقافة المساواه ضد ثقافة
التمييز, وثقافة مستقبلية ضد ثقافة التحنيط , ثقافة تشرك المجتمع كله ضد
ثقافة الاقصاء والابعاد, ثقافة التسامح والتعددية ضد ثقافة الاحادية في
التفكير والقرار, وثقافة الحرية ضد ثقافة الكبت والتقييد . ثقافة تستبدل
الثقافة السائدة التي تعمق شرعية الوصاية على المرأة وتجيز للاخ قتل اخته
والإعتداء على حرياتها وحقوقها الانسانية الاساسية, واستبدالها بثقافة
تعتمد العدل والعقل, وتكون دافعا للتطور والتغيير النوعي في السلوكيات
والعلاقات بين مختلف افراد المجتمع وخاصة بين النساء والرجال
.
واخيرا فان احداث هذا التغيير في السلوكيات الاجتماعية يقتضي ايضا استنهاض
المثقف الغائب او المغيب، الذي يجب ان يتميز بدوره الطلائعي الرافض لتكبيل
الفكر والتقيد بالممنوعات " المفهومة ضمنا", ويتجاوزها ليتحدى مسلمات
المجتمع ويطرح الاشكاليات ويعمق النقاش فيها, ليطرح البدائل المؤسسة على
خطط استراتيجية لا تعتمد ردود الفعل الآنية لتتجاوزها الى الفعل المؤثر
المتواصل، نحو خلق حراك وبيئة ترفض العنف والقتل ضد النساء والرجال، وتعتمد
قيماً انسانية في تفاعلها الداخلي مع ازماتها والتحديات الكبيرة التي
تواجهها.
* محمد زيدان – مدير عام المؤسسة العربية لحقوق الانسان
**************
لا تصمتْ/ي!
//
هشام نفاع
لا تبدأ جرائم القتل الجبانة المختبئة تحت "شرف العائلة" المزعوم، في لحظة
القتل ولا تنتهي بها أيضًا. كذلك، لا تقتصر المسؤولية عن فعل الجريمة على
المنفّذ الفرد. في الحالتين هناك سياق للجريمة. هناك دفيئة عفنة تنتجها،
ترعاها وتدفع باتجاه خروجها الى حيّز التنفيذ.
خيوط هذه الجرائم ترتبط بممارسات ومواقف قد تبدو ظاهريًا بعيدة عن عنف
القتل وسفك الدمّ. مثلا، تلك السرعة الذكورية العجيبة في إطلاق لقب "عاهرة"
(بشتى مفرداتها المحكيّة) على كل فتاة لا تتصرّف وفق المطلوب منها. لأنها
"مصاحبة" أحيانًا، أو لأنها لا تطأطئ رأسها أمام تعليقات سمجة من شبّان بل
تردّ بعين حادّة وقوية، أو حتى لمجرّد أنها تدخّن السجائر علانية. فتحذيرات
التدخين تكتسب معاني مختلفة حين يتعلق الأمر بالنساء، وتراها تتعدّى
التّبعات الطبية الى تلك الأخلاقية! كيف، لماذا، ومتى وأين.. حتى الآن لا
يوجد منطق معروف قادر على تفسير هذا.
وهناك أيضًا تلك البراعة في السلوك الذكوري الحربائي الذي يتغيّر بحدة بين
ما ينتظره من فتيات "محسوبات عليه" مثل الأخت أو القريبة أو ما شابه، وبين
ما ينتظره بل يشتهيه من الأخريات. هنا، يمكن للمرء العثور على واحدة من
عجائب النفاق السبع.. فالأنانية الذكورية تستدعي تقييد القريبة وخنقها، من
جهة، وانتظار حريّات باريسيّة ممن يٌبتغى معاشرتها، من الجهة الأخرى.
أفطن أحيانًا الى نوع معيّن من العنف الذي يقع في التجمهرات التقليدية
العامة (أعراس وهلمجرّا) على خلفيات "تطلّع على بنت خالتي" وما شابه..
غالبًا ما يكون المتطاوشون من الصنف ذاته: حريصون الى درجة صدّ نظرة العين
عن قريباتهم، لكنهم وقحون الى درجة فراغ العين عند الحملقة في الأخريات!
هذا الخليط المفجع من الازدواجية الأخلاقية والانفصام الذاتي يحمل من الخطر
ما يساوي موادّ سريعة الانفجار.. وهو للأسف ينفجر كل اثنين وخميس لكنّ لا
أحد تقريبًا يهتمّ به بما يتجاوز سؤال "مين طلع زلمه أكثر؟".. والصراحة:
طزّ في هيك زلام!
بالمناسبة، ذلك النفاق لا يقتصر على من يطيب للشرائح المتعلمة شبه
البرجوازية النظر اليهم على أنهم "متخلفون". لا أبدًا! فبين الشرائح التي
تتغنّى بالتسميات الثقافية على أنواعها، تجد كميات هائلة من الهمس العنصري
الخافت نحو النساء. تارة بسبب الغيرة من حضور وقدرات زميلة في الدراسة أو
العمل، وأخرى "لأنها تركته" وأحبت غيره، وأحيانًا لأنها تسمح لنفسها، ويا
للعار، بالعيش وفق معايير لا تختلف بشيء عن معايير حضرته. وهؤلاء بالذات
تجدر إدانتهم بشكل مضاعف!
هذه الممارسات اليومية التي تضع كل امرأة تخرج عن المعايير التي يحكمها
"العيب" في خانة الدعارة، هي جزء من عنف الدفيئة التي تنتج الجريمة. فقبل
وقوع الجريمة العينية، كانت ماكينة إنتاجها تواصل الدوران.. ماكينة الحط
من قيمة النساء، إصدار الأحكام القاتلة عليهن، إدانة "ارتكابهنّ جريمة" قطع
شبر جديد على طريق التحرّر، وتطوير تقنيّات الزجر والتقييد والخنق انطلاقًا
من معايير عنصريّة – وهي معايير يزعم الجميع رفضها حين تكون في سياقات أخرى..
القاتل الفرد الذي يقدم على جريمته يفكّر بالأسلوب المذكور ذاته، بفارق انه
ينفّذ. لكنه لم يكن ليُقدم على القتل لولا الدعم غير مباشر من تلك الجوقة
البشعة الضخمة التي تقوم على معايير مزدوجة، استعلائية، تسلطيّة في كل ما
يتعلق بحقوق وحريّات النساء. لذلك فهي ليست جريمة فرد، بل جريمة يتحمل
مسؤوليتها الجميع: المؤيدون مباشرة، الداعمون تأتأة، وكذلك الصامتون جبنًا.
بمعنى ما، هناك هامش جزئيّ معيّن يمكن فيه اعتبار منفذ الجريمة أيضًا ضحية
لكل ما سبق. ففعله القاتل انصقل داخل ذلك الخليط القاتل.
من هنا، يجب أن يكون الموقف واضحًا. يجب أن يعلو الصوت الرافض الشجاع على
فحيح الصمت والهمس المؤيدين. أما جميع التبريرات الملتوية، تارة باسم الدين
وتارة أخرى باسم التقاليد والأعراف، فلم يعد من الممكن التعاطي معها
مواربة. بل يجب رفضها بالمطلق وبصوت عالٍ منعًا لسوء الفهم وسوء التفاهم
الذي يهدّد بتحويلها الى مسبّباتِ تفهّم لتلك الجرائم. بعدها فقط، بعد
تحديد خط أحمر واضح لا تبرّر اجتيازه أية مبررات، فلنتناقش في كل شيء. لأن
إبقاء كرامة المرأة وسلامتها رهينة بأيدي حاملي إرث ومصالح الفحوليّات
والعنتريّات المنافقة، هو خطر حقيقي داهم ودائم.
أيّ بدء للكلام يجب أن يكون بالاتفاق على الرفض القاطع لاستخدام مفاهيم
"الشرف"، "العيب"، "العار" وما شابه كوسائل عنف وقتل. فالتجربة المؤلمة
تعلّمنا أن أيّ تساهل في هذا يهدد بالتورّط في جريمتي التأتأة والصمت على
جريمة القتل.
*************
حين نُطَبِّع قتلَ النساء
عرين هواري
جمعية السوار
كثرت الجرائم ضد النساء داخل مجتمعنا واعتادت وسائل الإعلام عليها، واعتدنا
نحن في الاطر النسوية أن ننشر البيانات في أعقاب قتل امراة أو محاولة
قتلها على خلفية جنسها. في بعض الأحيان تتوجه لنا ايضا وسائل الاعلام
لتسألنا عن موقفنا من هذه الجرائم، وعن نشاطنا المناهض لها. ونحن اذ نهتم
بإيصال صوتنا الداعي لبناء مجتمع سليم ومعافىً ويحترم انسانية أفراده.
فإننا نرى أن المسؤولية عن بناء مجتمع أفضل هي مسؤولية مجتمعنا كله وليست
مسؤولية الأطر النسوية فقط. لأن قتل النساء هو وصمة عار بل لطخات من العار
في جبين هذا المجتمع، ودور الحركة النسوية وحركة حقوق الإنسان منع تحويل
قتل النساء إلى أمر "طبيعي" يمكن الاعتياد عليه، ودفع كافة المؤسسات
السياسية والتربوية والقانونية الى أخذ دورها، ومن هنا جاءت أهمية
المظاهرة التي دعت لها مؤخراً الأطر النسوية وانضمت إليها الأحزاب
والمؤسسات الأخرى.
في الفترة الأخيرة أخذ العنف يستفحل داخل مجتمعنا، الجرائم ضد النساء
تضاعفت كما وشهدنا في السنة الاخيرة مسلسلا من حوادث القتل التي راح
ضحيتها رجال ونساء على خلفيات مختلفة، حيث أشارت المعطيات أن تسعة وخمسين
بالمئة من جرائم القتل التي وقعت في البلاد العام الماضي كانت داخل مجتمعنا
رغم أننا نشكل فقط اثنين وعشرين بالمئة من السكان، حصيلة هذه النسبة
بالأرقام واحد وسبعون قتيلا بين نساء ورجال، ناهيك عن المئات من حوادث
اطلاق النار وزرع العبوات الناسفة والقاء القنابل اليدوية. لا يمكننا ولا
تسمح لنا أخلاقنا ان ندافع عن حق النساء في الحياة وأن نحارب العنف ضدهن من
قبل المنظومة الإجتماعية التي ترى المرأة عورة، دون أن نقف ضد العنف
المستشري داخل مجتمنعا، ودون ان نعي أن نفس المؤسسة التي لا تحمي النساء من
العنف ضدهن لا تحمي شبابنا ورجالنا ونساءنا وأطفالنا من ظواهر القتل
والجريمة داخل مجتمعنا، فموقفنا لا يتجزأ. ونرى أيضا ان الاستهتار بقتل
النساء على أيدي "الاوصياء " على "الشرف" ساهم في انشاء شباب لا يحترمون
قيمة الحياة ولا قيمة الانسان. ولكننا إذ نؤكد مناهضتنا للعنف الذي يضرب
بأفراد مجتمعنا نساءً ورجالا وأطفالا، والذي نراه نتاجا لمجتمع مأزوم
اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. وإذ نؤكد على أخذنا المسؤولية أسوة بباقي
شرائح مجتمعنا على نبذ العنف واحترام حق الحياة ومقاومة الجريمة على كافة
اشكالها. نرى من الضرورة بمكان، أن نوضِح ونؤكد بأن قتل النساء لكونهن
نساءً يختلف عن القتل على خلفيات جنائية، وهو يتواجد حتى في فترات يعم بها
الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. وهو نتاج قيمٍ ومفاهيمَ ترى
المرأة عورة وترى مكانها داخل الحرملك فقط، تلك قيم ناتجة عن استضعاف
النساء وهي بنفسها تكرس هذا الاستضعاف، قيم نحاربها كما نحارب الجريمة وكما
نحارب القهر القومي والاحتلال الذَين يكرسان استضعاف الشعوب،. يُجمِع
الخطاب الاجتماعي على نبذ جرائم الاحتلال وعلى نبذ العنف الناتج عن خلفيات
جنائية أو طائفية أو عائلية وعلى ضرورة مكافحتها، واما القتل باسم "الشرف"
فما زال قضية خلافية وفيها نظر وهذا عار على مجتمعنا.
دورنا ليس الاستنكار فقط بل محاولة طرح الاسئلة لمجتمعنا : ما ا الذي يجعل
أخا يقتل أخته، ما الذي يجعله يفعل ذلك وهو يعي أنه قد يدخل السجن؟ ما
الذي يجعله يرى قضبان السجن أمرا معقولا؟ لماذا نجده مستعدا لدفع سنوات
كثيره من حياته، التي من المرفوض ان يقضيها في التعليم والعمل وبناء
مستقبله جديد؟ نعم هو يعلم ان ثمن قتل النساء أرخص من قتل غيرهن من أفراد
المجتمع، هو يعلم بأن الملف الجنائي قد يغلق وقد يكون عقابه خفيفا، ولكنه
يعلم أيضا انه قد يقضي سنوات كثيرة داخل السجن وقد يدفع ثمنا باهظا ومع ذلك
يقتُل!. ما الذي يجعل جزءا من العائلات تبارك قتل بناتها، والتي من المفروض
أن تكون فلذات أكبادها؟! ما الذي يجعل عائلة مستعدة للتخلي عن أبنها "
الذكر" وحرمانه من حريته مقابل ان يقتل أخته ويحافظ على "الشرف المنشود"؟
أي "جرم" يستحق القتل الذي تمنعه كافة القوانين الدولية ومواثيق حقوق
الانسان وتحرّمه الديانات؟ ما هي ال"جريمة" التي تقوم بها النساء والفتيات؟
وما هو القانون الذي يحلّه عليهن المجتمع؟ وما هي ال"براهين" ؟ ومن هو
ال"قاضي" ومن أعطى الحق لمنفذ "العقاب" بالقيام بجريمته النكراء. أي قانون
إنساني وأي شريعة سماوية تبرر القتل؟ فهل جريمة حب الحياة كبيرة الى هذه
الدرجة؟
لماذا
نئد بناتنا وهن في بداية حياتهن، بدل أن ندافع عن حقوقهن بأن يعشن ويتعلمن
ويسهمن في بناء مجتمعاتهن، عن أي عائلة نتحدث فهل تعتبر عائلة تقتل أحد
افرادها؟ عائلة؟ وهل تُبقي جريمة القتل شرفا للعائلة؟!.
لماذا نصمت صمت القطيع؟
نحن لن نكتفيَ بتحميل القاتلين أنفسهم المسؤولية عن الجريمة، بل نتهم شرائح
من مجتمعا نساء ورجالا الذين يربون ينشئون ابناءهم على مفاهيم تقرر أن
الشرف يكمن في عزل النساء وحجبهن عن الناس، مفاهيم تقرر أن رجولة الشاب لن
تكتمل إلا إذا فرض وصايته على أخته، وحدد لها سلوكها كما يريد هو لها،
مفاهيم تجعل أخا او أبا او قريبا يقتل لأنه "شك في سلوك"، قريبته او لأنها
"تأخرت خارج البيت"، أو لأنها قامت بدور لا يريده لها.
تقع مسؤولية جرائم قتل النساء أولا على منفذ الجريمة ولكنها تقع أيضا على
مجتمع يستنكر القتل على خلفيات جنائية وقبلية، ويستنكر قتل بنات وابناء
شعبنا من قبل المحتل، بينما يصمت تجاه قتل النساء على أيادي أقربائهن
ويصمت صمت القطيع.
نحمل مجتمعنا كله مسؤولية الدفاع عن حق النساء والفتيات بالحياة الكريمة
الحرة.
نهيب مرة اخرى باحزابنا السياسية، وبالقيادات المحلية ان تقف ضد قتل
النساء واحتلال حيزهن في المجتمع
نهيب بلجنة المتابعة العليا ولجنة الدفاع عن الحريات، ان تدافع عن حريات
النساء وعن حقوقهن بالحياة الكريمة وبالتعليم والعمل واختيار الشريك وعن
حريتهن بالتنقل.
ندعو كافة المدارس بمجتمعنا الى التربية للمساواة، وللكرامة الانسانية
ولمناهضة العنف على كافة أشكاله.
نطالب القضاء والشرطة باخذ دروهم في محاربة جرائم قتل النساء في مجتمعنا
وكذلك نطالبهما بالدفاع عن قرانا ومدننا التي يستفحل بها العنف ويضرب
مجتمعنا بكافة شرائحه.
******************
قتل النساء: كي لا تقولوا إننّا "لا نعلم"
ياسمين ظاهر*
تدعيّ الأغلبية من أبناء وبنات شعبنا، أنَّ قتل النساء – عادة بمسمىّ
الشرف- ليس أمرًا يمكن تسميته بـ "الظاهرة". وهناك من يذهب أبعد من ذلك
ليتظاهر بأنّه أصلاً لم يسمع في حياته عن الموضوع، بينما تعرف كل امرأة –
تقريباً بشكل طبيعي– أنه في حال تمادت (والحدود هيولية، غير معروفة دائما،
وبإمكانها أن تتغير من قرية أو مدينة او عائلة الى أخرى) فإنَّ "عقوبة
الموت" أو على الأقل عنف ما سيهدّدها.
يبدو إذًا، وللوهلة الأولى، أننّا نعيش في مجتمعين، أو مجتمعٍ واحدٍ يعاني
انقسامًا شديدًا. فبين مشاعر ومخاوف النساء فيه، وبين الآراء "العلنية"
التي تلغي وجود الظاهرة من أصلها ثمّة فرق شاسع ومريب.
ما نسمعه على الملأ، إن كان في الشارع أو في المدرسة أو في التجمعات وما
الى ذلك – تُمثل النساء جزءًا منها– يتغاضى عادة ويزيل عن الموضوع أية أسس
موضوعية وجديّة ويُخفي حدوثه، وإن قَست الظروف وأُستُعِملت الدلائل– وهي في
عصرنا الارقام!- تتراجع الأفواه قائلة: "أه، هذا في القرية الفلانية، أو
لدى الطائفة تلك". المهم، المقولة تقول، "إنَّ هذا لم ولن يكون في دائرتنا"
حتى تحدث المصيبة التالية.
هذه حقيقة، ليس إنقسامًا في شخصية الأفراد في المجتمع أو إزدواجية
مجتمعيّة، حتى لو كانت الإزدواجية من سماته. إنه النفيّ، الإخفاء والصمت
الذي يغطيّ على الظاهرة، أي التنكّر لوجوها أصلاً، وبهذا تكون الفرصة سانحة
لإعادة صناعتها وتشريعها. بكلمات أخرى، هذه هي الطريقة المثلى لإستمرار
الظاهرة وإزديادها مع مرور السنين. طريقة الصمت عنها، إنكار وجودها
والتعامل معها كخيال من صنع قلّة قليلة من النسويات. بالضبط، لأنها جريمة
بشعة ونكراء، ولأنَّ القتل في هذه الحالة أداة إجتماعية – أي أنها تأديبية
وتخويفيّة للأجيال اللاحقة- يستمر المجتمع بممارستها "سرًا" حتى لا يُسقط
ردعه أو قوة قبضته على نسائه، وفي نفس الوقت يُنكرها، فهي جريمة، أليس
كذلك؟ّ!.
طبعاّ السر ليس سرًّا، لأنّ من تذرّع بالشرف ليقتل بحاجة الى علانيّة ما،
إلى من يبارك فعلته هذه، وإن كانت على صعيد العائلة المصغرّة، حتى اتمام ما
شاء (يُسمي هذه عبدة الاوثان الإجتماعية: أن يغسل الدم العار؟ّ). فالرسائل
الضمنيّة والخطاب الإجتماعي السائد يتمحور حول ترهيب وتخويف المرأة
وإشعارها بأنَّها مُراقبة طِيلة الوقت من قبل الجميع، فكل المجتمع جنود
مخلصون في أداء المهمة، ومن أجل هذا، وكما يفقه الجنود فالقتل أداة حتى لو
كانت ضد القلّة وحتى لو استعملت بين الفينة والأخرى، فهي تؤدي دورها
للتذكير والتأكيد على وجودها وإمكانية إستعمالها (كما في الانظمة
التوتاليتارية مثلا)، لهذا فهي ظاهرة ولكنها مخفيّة أيضاً.
طبعًا الجاني بذاته لا ينكر الجريمة دائماً، غالباً من يرتكب هذه الجريمة
يعي بأنّ الزنزانة تقترب إليه، وتعرف الشرطة (ليس هذا المكان لتناول دورها
السلطوي في تعزيز العنف في مجتمعنا وتقديم العون للجاني بشكل غير مباشر)
بأنّ في حالة قتل فتاة، أية فتاة، في المجتمع العربيّ، فليسوا بحاجة الى
عدسة مكبّرة وشارلوك هولمس ليفهموا أن عليهم البحث عن القاتل في تخوم
العائلة.
كم هو قاسٍ واقع النساء في هذا المجتمع، وكم هي مؤلمة الحقيقة حين تعتقد كل
امرأة أن يد أخيها أو أبيها أو ابن عمّها أو في بعض الحالات أمها، قد تمتد
يومًا لتطال حياتها. العائلة، والمفترض بأن تكون مأواها من إيذاء الاخرين،
قد تنهي يومًا حياتها كونها "لا تستحمل عيون الجيران" والتي أصلا لم تتوقف
عن النظر لثوانٍ، بل أكثر من ذلك يعلم الأهل، كما الجيران، كما كل مجتمعنا،
أن "القيل والقال" هي من خصالنا التبشيرية التي لا تنتهي حتى لو كنا نعرف
أنها كاذبة من بدايتها وحتى نهايتها.
12
إمرأة في السنة، كل سنة، يُقتلن بدم بارد وبصمت مأجج، وهذه ظاهرة. مئات
وآلاف النساء يعشن في ظل التهديد المستمر، هذه أيضا ظاهرة. والمظاهرة التي
ستقام يوم السبت القادم في السادس من شباط في الناصرة، تأتي لخلع غطاء
الظاهرة وتعريّتها على الملأ، رؤيتها، مواجهتها في وضح النهار، وهذا
سيساعدنا كمجتمع لنرى حقيقتنا معرّاة ونقرر: هل نريد أن نكون مجرمين
ومجرمات ام سنوقف هذه الظاهرة؟ لن يسعُنا الإنكار بعد.
فإن سُألتم في المرة القادمة عن الموضوع، قولوا نعلم عن الظاهرة ونشجب
بشدة: ليذهب القتلة الى الجحيم!
* الكاتبة هي محاضرة في جامعة بير زيت في قسم الفلسفة والدراسات الثقافية. |